اخر الاخبار
العراق رئيس لمنظمة العمل العربية.. تحدٍ ومسؤولية

العراق رئيس لمنظمة العمل العربية.. تحدٍ ومسؤولية

 

                   *زينب فخري*

انتخب العراق بالإجماع رئيساً لمجلس إدارة منظمة العمل العربية في الدورة الـ(87) التي عقدت في السابع من تشرين الأول 2017 في القاهرة، وعلى الرغم من أهمية هذا الإنجاز عربياً ويضاف إلى ما حققه العراق مؤخراً من فوزه بمقاعد أخرى في محافل دولية، وهو مما لا شك فيه له دلالة سياسية ودبلوماسية لكن يبقى أمام العراق تحديات كبرى في هذا الشأن. والحقّ يقال أنَّ وزير العمل والشؤون الاجتماعية محمد شياع السوداني أشار إلى هذه التحديات في كلمته التي ألقاها في الدورة وجعل في مقدمتها موضوعات التشغيل وارتفاع البطالة والتعليم والتدريب وقضايا الحماية الاجتماعية والحريات النقابية. ومن المعروف أنَّ الاتفاقيات التي تناولت حقوق العمال كانت وافرة جداً، سواء تلك التي أصدرتها المنظمات المعنية بالعمال كمنظمة العمل الدولية لحماية حقوق العمل، أو المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، وبالتأكيد لهذه الغزارة في الاتفاقيات مدلولان: الأوَّل هو سلبي، إذ تدل على وجود خروقات كثيرة لحقوق العمال وإلا لم تكن هناك حاجة لتنظيمها قانونياً. الثاني هو ايجابي؛ لأنه يثبت بأنَّ المجتمع الدولي لن يقف مكتوف الأيدي اتجاه هذه الخروقات، ومع هذا فإن اهتمام القانون الدولي والعربي بحقوق العمال لا يعني بالضرورة بأنَّ هذه الحماية هي فعالة. ويعود سبب عدم فعاليتها إلى ضعف الآليات المستخدمة لحماية حقوق العمال، أي أنَّ الاتفاقيات الدولية والعربية والتوصيات تفتقر إلى آلية تنفيذية فعالة كمحكمة خاصة بها مثلاً تصدر قرارات ملزمة لدول الأعضاء يستطيع العمال اللجوء إليها في حالة خرق حقوقهم؛ لذلك فإن الاتفاقيات والتوصيات الموجودة في إطار منظمة العمل سواء أكانت دولية أم عربية يمكن اعتبارها من ضمن ما يعرف بالقانون الناعم أي القانون غير الملزم مادياً بل أخلاقياً لضعف آلية مراقبة تنفيذه. ولنأخذ مثالاً بسيطاً: اتفاقية حظر عمل الأطفال، نرى بأن آلية كلّ هذه الاتفاقيات ضعيفة جداً لا تتعدى التوصيات أو توبيخ الدولة العضو في الاتفاقية في حالة خرقها لاتفاقية من هذا النوع. فبالرغم من اتفاقية حظر عمل الأطفال فهناك عشرات الملايين منهم يعملون فى دول العالم العربي وغيره تحت ظروف قاسية جداً ومنظمة العمل الدولية والعربية لا تستطيع عمل شيء لمحاربة هذه الظاهرة، بل أصبحت من حيث الانتشار والحضور ظاهرة عالمية آخذة بالارتفاع، ففي الدول العربية تنتشر في: مصر واليمن ولبنان والعراق وفلسطين وغيرها. ولن نذكر الإحصائيات الصادرة من منظمات العمل لأنَّ هذه الأرقام مستقاة من الأجهزة المركزية للدول أو الأنظمة السياسية التي عادة ما تعطي معلومات زائفة وغير صحيحة لأسباب سياسية، فضلاً عن عدم إمكانية الحصول على المعلومات بالنسبة للدول التي تعيش أوضاعاً أمنية وسياسية مضطربة وغير مستقرة نسبياً، ولكن في النهاية تبقى هذه الظاهرة من حيث البقاء والانتشار تشكل في جوهرها صدمة مروعة لطبيعة خطورتها على الأطفال من ناحية الاستغلال الاقتصادي والاستعمال الاجتماعي لطاقاتهم. ولو توقفنا عند عمالة الأطفال في العراق لوجدنا حالة من التراجع الإنساني والأخلاقي والتربوي، فبالرغم من وجود الكثير من الإمكانيات والثروات التي تحيط بالبلد إلا أنَّ كل ذلك لا يقود إلى تجاوز هذه الظاهرة التي نشاهدها بشكل يومي وفي مناطق مختلفة من العراق، بدءاً بـ “مقالع” أو مكبات النفايات التي يتواجد فيها الكثير من الأطفال بحثاً عن القطع المستهلكة من أجل إعادة صنعها مثل علب المشروبات الغازية وكذلك يتواجدون كباعة جوالة في الأسواق لبيع أكياس النايلون أو في إشارات المرور لبيع ” قناني الماء” و”المناديل الورقية” وكذلك في المدن والمناطق الدينية المقدسة لبيع الأدعية وغيرها، ويزداد عددهم في المحافظات الجنوبية لاسيما ذي قار. وعلى بالرغم من أنَّ الدستور حظر الاستغلال الاقتصادي للأطفال كما جاء في المادة (29) في الفقرة الثالثة “يحظر الاستغلال الاقتصادي للأطفال بصوره كافة وتتخذ الدولة الإجراءات الكفيلة لحمايتهم” إلا أنَّ واقع الحال بالنسبة لعمالة الأطفال ما زال مرتفعاً وفي اتساع متواصل بسبب الفقر واليتم ومستوى التعليم والثقافة والحروب والنزوح. ومما لا يخفى على أحد أنَّ مخاطر ظاهرة عمالة الأطفال وآثارها على المجتمع العراقي لا تكمن في طبيعة الاستغلال الاقتصادي والمادي للطفولة العراقية فحسب بل يتعداه إلى آثار ومخاطر أخرى، منها: تعطيل الزمن التربوي والمعرفي لدى الأطفال، ارتفاع مستويات الأمية والجهل بشكل مستمر، اتساع مستويات الجريمة والعنف والتطرف داخل المجتمع، ديمومة نظام الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ولأن المقام لا يتسع لتناول الحلول والمعالجات أو التوسع أكثر في هذه القضية وقضايا أخرى من قضايا العمل.. والتطرق إلى التحديات الجدية التي تواجهنا، نختم كلامنا بالقول: نعم.. انتخاب العراق رئيساً لمنظمة العمل العربية هو إنجاز كبير تحقق للعراق متمثلاً بوزير العمل المهندس محمد شياع السوداني.. فتحية له على هذا الانجاز.. لكن ننتظر انجازات أكبر تتحقق على أرض الواقع..

عن Resan